مكتبة سيبويه للغة العربية


تحميل الكتب

ابنية الصرف سيبويه

الجملة الدنيا والجملة الموسعة سيبويه

الشاهد واصول النحو سيبويه

سيبويه المقدمة

سيبويه الجزء الاول

سيبويه الجزء الثاني

سيبويه الجزء الثالث

سيبويه الجزء الرابع

سيبويه امام النحاة

شرح ابيات سيبويه

شواهد الشعر سيبويه

كتاب سيبويه

اهمية اللغة العربية ودورها في الحفاظ علي القرآن الكريم


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ذكر الله تعالى في كتابه القرآن الكريم في اللغة العربية واهميتها هذه الآيات

” إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ”{يوسف:2}

” وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ “{النحل: 1.2}

“وَكَذَلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَربِيًّا” {الرعد:37}

” وَكَذَلِكَ أنْزلْناهُ قُرآنًا عَربِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونُ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا” {طه: 113}

” وَإنَّهُ لَتَنْزيلُ رَبِّ العَالَمِينَ {} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ{} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرينَ {} بِلِسَاٍن عَرَبِيٍّ مُبِينٍ” {الشعراء: 192-195}

” وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هَذا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {} قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ ” {الزمر:27- 28}

” حَم {} تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {} كِتابٌ فُصِّلتْ آيَاتُهُ قُرْآنًاعَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ” {فصلت : 1-3}

” وَكَذلِك أوْحيْنا إلَيْكَ قُرْآنا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لارَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ” {الشورى : 7}

” حَم {} والْكِتابِ المُبينِ {} إنَّا جعلْناهُ قُرْآنًا عَربِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ {} {الزخرف: 1-3}

” وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ” {الأحقاف:12}

في كل هذه الآيات دلالة بينة على أن عربية القرآن الكريم إنما هي عربية منهج إبانة وليس عربية مصدر تنزُّل ،وقد سبق وكذلك تبع ذكر كلمة عربية عدة افعال توضيحية في هذه الآيات مثل قوله تعالي: لعلكم تعقلون ، لعلهم يتقون ، لعلهم يتذكرون، يعلمون، لينذر، لسان عربي مبين، حكما عربيا، قرانا عربيا، كتاب مصدق” وهذا كله إنما يكون من منهاج الإبانة على معانيه ومقاصده ومغازيه، وانذار، وتكليف بالعلم والابلاغ والتذكرة. ولذا قال الحق عز وعلا :

” وَلَوْ جَعَلْناهُ قرآنًا أعْجميًّا لقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُه أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ …” {فصلت: 44}

الحمد لله ذي الفضل والإحسان، امتن على عباده فعلمهم البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرف العربية بالقرآن، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير من نطق بلغة الضاد، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: ترقى المجتمعات بأفكارها, وتفتخر الأوطان بلغاتها, لأن اللغة أفضل السبل لمعرفة هوية المجتمعات وفهم خصائصها، ولذلك كان كل نبي يرسل بلسان قومه، قال الله سبحانه:( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولغتنا العربية هي ركن ثابت من أركان هويتنا, وهي الأداة التي سجلت أفكارنا وحضارتنا منذ أمد بعيد.

وهي لسان الفهم ووعاء العلم، وحلقة الوصل التي تربط بين ماضينا الغالي وحاضرنا المزهر ومستقبلنا المشرق، ولقد خص الله تعالى العربية فجعلها لغة الرسالة الخاتمة، لما فيها من مكنون الفصاحة والبيان والبلاغة، قال تعالى:( وهذا لسان عربي مبين). وذلك لأن اللغة العربية أفصح اللغات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها، وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات.

فالعربية لغة القرآن الكريم، تبشر المؤمنين بأعذب العبارات، وتحذر المخالفين بأبلغ الكلمات، قال تعالى:( وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين). ويقول الشاعر:

لغة إذا وقعت على أسماعنا      كانت لنا بردا على الأكباد

ستظـل رابطة تؤلف بيننا        فهي الرجاء لناطق بالضـــاد

عباد الله: لقد أعلى الله تعالى مكانة اللغة العربية، وشرفها بالمنزلة العلية، قال سبحانه:( وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا). والذكر في بعض الأقوال هو الشرف الرفيع والكرامة العالية، قال تعالى:( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون). والعربية غذاء لمن أراد الحكمة وحسن البيان، قال سبحانه:( الرحمن* علم القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان)

وإن اللغة العربية هي لغة الذكر والصلاة وتلاوة القرآن، قال تبارك اسمه:( وإنه لتنزيل رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين). فلا يقرأ القرآن الكريم إلا بالعربية، وقد نهت الشريعة عن الخطأ في تلاوته، لأنه يؤدي إلى تغيير مبناه، وتبديل معناه، ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يهتمون بالعربية كاهتمامهم بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، ويعلمونها أبنائهم.

وكان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: لأن أعرب آية -أي أتقن قراءتها- أحب إلي من أن أحفظ آية.

وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليكم بالتفقه في الدين، والتفقه في العربية وحسن العربية.

أيها المسلمون: يجمل بنا أن نتودد إلى العربية، ونتقنها ولا نعرض عنها، لئلا يؤدي إلى الانقطاع عن فهم القرآن الكريم، قال أحد العلماء: ما جهل الناس ولا اختلفوا -أي في فهم المعاني- إلا لتركهم لسان العرب.

وقد أدرك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهمية التفقه في العربية، فكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقول له: تفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن، فإنه عربي.

وتعلم العربية في الصغر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، فللوالدين دور عظيم في إبراز مكانة اللغة العربية، وذلك بالتحدث بها داخل البيت، وللمعلم دور مهم في إظهار اللغة في أجمل صورة، وعرضها في أبهى حلة، وترسيخها في نفوس الطلاب، فهي هوية دينية ووطنية، فتعلموا اللغة وأتقنوها وعلموها أولادكم، ولا يعني هذا ترك تعلم اللغات الأخرى، فمن السنة تعلم اللغات التي تعيننا على التواصل مع الآخرين، والاستفادة من علومهم، دون إهمال للغتنا العربية.

ومن وسائل إتقان العربية؛ قراءة كتب العربية وقراءة الشعر والاستماع له، ومطالعة تاريخ العرب وأيامهم، وحضور المنتديات الأدبية والثقافية حتى يشعر أبناؤنا بانتمائهم للغة الضاد، وانتمائهم إلى وطنهم، فلتكن العربية غرسكم لأجيالكم، فهي وعاء حضارة الوطن، ورمز هويته ومستودع تراثه وثقافته.

فاللهم أعنا على المحافظة على لغة كتابك العزيز، وخدمة لسان نبيك الكريم، ووفقنا جميعا لطاعتك، وطاعة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته، عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

لماذا أنزل الله القرآن باللغة العربية ؟

مما يثار حول القرآن الكريم من الشبهات هو : إذا كان القرآن كتاباً لكل البشرية ، فلماذا أنزله الله باللغة العربية ، و لم ينزله بلغة أخرى غيرها ؟
و في الجواب نقول : من الواضح أن نزول القرآن ـ كغيره من الكتب السماوية ـ كان لا بُدَّ أن يكون بلغة من اللغات الحية التي يتكلم بها الناس عصر نزول القرآن ، و اللغة العربية كانت إحدى أهم تلك اللغات .
و من الواضح أيضاً أنه على أي لغة أخرى ـ غير العربية ـ كان يقع الاختيار فإن هذه الشبهة كان يمكن طرحها ، و حينها كان يقال : لماذا نزل القرآن بهذه اللغة ، قال الله عَزَّ و جَلَّ : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ 1 .

هذا من جهة ، و من جهة أخرى ، فإن أي كتاب سماوي ينبغي أن ينزل بلغة الرسول الذي ينزل عليه ذلك الكتاب ، ليتمكن من التعامل معه بصورة طبيعية ، و من هذا المنطلق كان من الطبيعي إختيار اللغة العربية دون غيرها من اللغات ، حيث أنها اللغة التي كان يتحدث بها النبي محمد ( صلى الله عليه و آله ) ، كما و أن أي رسول لا بُدَّ و أن يتحدث بلسان القوم المرسَل إليهم ، أو المبعوث فيهم ، و لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر حيث قال : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 2 ، فكان من الطبيعي أن يتم نزول القرآن باللغة العربية التي هي لغة النبي محمد ( صلى الله عليه و آله ) ، و لغة قومه الذين يعيش معهم ، لكن إختيار لغة قوم الرسول لا يدل على إنحصار الدعوة في من يتكلم بتلك اللغة ، خاصة و أن الأدلة القاطعة تثبت خلاف ذلك .
هذا مضافاً إلى أننا لا نشك في أن نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات لم يكن عفوياً ، بل كان لأسباب دقيقة ، و هو بكل تأكيد إختيار حكيم لأنه من قِبَلِ رب العالمين ، و نحن نؤمن بوجود الحكمة في هذا الاختيار سواءً تبيَّنت لنا أسبابه أم لم تتبين .
أضف إلى ذلك أن خصائص اللغة العربية و قابلياتها الحيوية و مرونة تعبيراتها و سعتها و ما إليها من مميزات من حيث الاشتقاق الصرفي ، و الايجاز ، و الخصائص الصوتية ، و إمكانية تعريب الألفاظ الواردة ، تجعل إختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار الصحيح .
و من جانب آخر فأن اللغة العربية ـ كما جاء في الأحاديث ـ هي لغة عدد من الأنبياء العظام السابقين ( عليهم السلام ) ، و قد كانوا يتكلمون بها ، و لقد جاء في بعض الروايات أن خَمْسَة أنبياء مِنَ الْعَرَبِ : هُودٌ وَ صَالِحٌ وَ شُعَيْبٌ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ مُحَمَّدٌ ( عليهم السلام ) ، و أن لغة النبي آدم ( عليه السَّلام ) حينما كان في الجنة كانت العربية ، حيث أنها لغة أهل الجنة ، و ستكون العربية لغتهم التي يتكلمون بها في الجنة 3 ، فكل هذه الأمور مما ترجح و تدعم إختيار اللغة العربية لأن تكون لغة للقرآن الكريم .

إتقان اللغة العربية جزء من الدين :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، وكنا قد وصلنا إلى فصاحته وجمال خطابه صلى الله عليه وسلم، مقولة تردد كثيراً أن جمال الرجل فصاحته، ولأنك مسلم، ولأن الدعوة إلى الله هي العمل الأول، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 33 ]

 أخوتنا الكرام، بادئ ذي بدء إذا قال الله عز وجل يصف المؤمنين بأنهم يتلون كلام الله حق تلاوته:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 121 ]

 أنت كمسلم ينبغي أن تقرأ القرآن الكريم، لكن الله وصف المؤمنين بأنهم يتلون هذا الكتاب حقّ تلاوته، قال بعض العلماء: حقّ تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة العربية، بل إن سيدنا عمر ـ عملاق الإسلام ـ يقول: “تعلموا العربية فإنها من الدين”.
 هذه اللغة العربية اصطفاها الله لتكون لغة خطابهم، لغة كلامهم، لغة قرآنهم، لذلك تعلم هذه اللغة جزء من الدين، طبعاً هذه العربية لها خصائص، كطرفة حركة واحدة تنقل قائلها من الجنة إلى النار، أحد الصحابة حينما قتل قال:

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
***

 لو إنسان قرأ البيت:

ولست أبالي حين أَقتُل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي
***

 إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة، بين أن تقول: ولست أُبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي، وبين أن تقول: ولست أُبالي حين أَقتل مسلماً، هناك دقة بالغة في لغتنا، لذلك إتقان هذه اللغة جزء من الدين، وكلام سيدنا عمر واضح: “تعلموا العربية فإنها من الدين”.
 و النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أنا أفصح العرب بَيْد أني من قريش ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

أفصح كلام بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه الصلاة والسلام :

 حينما كنا في الجامعة في كلية الآداب تعلمنا أن أفصح كلام بعد القرآن الكريم كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الكلام يقتضي أن نهتم بتعليم أبنائنا قواعد اللغة العربية:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 121 ]

 حق تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة العربية، مثلاً لو كان الإنسان ضعيفاً في اللغة، وقرأ قوله تعالى: “إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ”، هذا كفر، الله يخشى؟

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾

[ سورة فاطر الآية : 28 ]

 جزء من دينك إتقان لغة القرآن الكريم، وهذا كلام يحتاج كل أب إلى أن يعتني بلغة أبنائه.

حق تلاوة القرآن أن يتلوه الإنسان وفق قواعد اللغة العربية و وفق قواعد التجويد:

 شيء آخر:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 121 ]

 أن تقرأ القرآن الكريم وفق قواعد اللغة، وشيء آخر أن تقرأ القرآن الكريم إن أمكن وفق قواعد علم التجويد، هناك إدغام، و إقلاب، و إظهار، و إخفاء، و مدود، و وقف لازم، ووقف غير لازم، في قواعد التجويد، أي كتاب نستحق أن نقرأه كالقرآن كلام خالق الأكوان؟

(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[الترمذي عن أبي سعيد ]

 حينما اختص الله اللغة العربية لكلامه معنى ذلك أن هذه اللغة لها شأن كبير.

اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية وأساسها نظام الأسرة :

 أيها الأخوة، تعلمنا في الجامعة أيضاً أن اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية، وهذه شهادة أعداء المسلمين، شهادة موضوعية، اللغة العربية من أرقى اللغات الإنسانية، لكن المشكلة أن اللغة تقوى بقوة أصحابها، وتضعف بضعفهم، مثلاً: تقول: رنا، رنوت إلى المنظر، رنا أي نظر مع المتعة، منظر جميل، سهل أخضر، بحر أزرق، سماء زرقاء صافية، غابة خضراء، هذا المنظر تقول: رنوت إلى هذا المنظر، حدج: نظر مع المحبة، رنا نظر مع المتعة، رنوت إلى هذا المنظر، أما حدج: نظر مع المحبة، وفي بعض الأحاديث الشريفة:

(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))

[ فقه اللغة عن ابن مسعود]

 النظر مع التفحص استشف، أمسكت القماش وتحسسته بيدي، نقول: استشف، النظر مع التمطي استشرف، استشف، رنا، حدج، الآن حملق، ظهر حملاق العين، ظهر باطن الجفن الأحمر، حملق، ظهر حملاق العين.
 الآن لاح، المنظور ظهر واختفى، لاحت طائرة بين الغيوم، المنظور ظهر واختفى، أما لمح: إنسان يمشي في الطريق، هناك باب مفتوح نظر فإذا امرأة متفلتة وراء الباب، فغضّ بصره، نقول: لمح، فهناك لاح، ولمح، وحملق، وحدج، ونظر، مع الاحتقار نظر شذراً، وإذا كان قلقاً من أن يقع السقف نقول: شخص:

﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 97 ]

 أكثر من خمسين أو ستين فعلاً لنظر، وكل فعل له حالة خاصة، فهذه اللغة من أرقى اللغات الإنسانية بل أرقاها، لأنها لغة متصرفة، أي هناك عرف، يعرف، اعرف، عارف، معروف، عراف، معرفة، تعريف، هناك جد وهناك أولاد وهناك أحفاد، لغتنا العربية أساسها نظام الأسرة.

الفضل في ثبات اللغة العربية يعود إلى القرآن الكريم :

 صدقوا أيها الأخوة التعمق في اللغة شيء ممتع جداً، التعمق في اللغة يعطيك فناً آخر، الأدب في تعريفاته الدقيقة: تعبير مثير عن حقائق الحياة، تعبير فني، تعبير جمالي، تعبير جميل، مثلاً يقول أحدهم: تكاثرت علي المصائب، هذا تعبير علمي، التعبير الأدبي:

رماني الدهر بالأرزاء حتى  فؤادي فــي غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهـام  تكسرت النصال على النصالِ
* * *

 شبه المصائب بالسهام، رماني الدهر بالأرزاء ـ أي بالمصائب ـ رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي ـ قلبي ـ فــي غشاء من نبال، فكنت إذا أصابتني سهـام تكسرت النصال على النصالِ.
 أيها الأخوة الكرام، هل تصدقون، أن طلاب اللغة الإنكليزية في بريطانيا لا يستطيعون قراءة شعر شكسبير ولا فهمه إطلاقاً، وشكسبير جاء في القرن السادس عشر، ثلاثمئة عام تفصل بين إنتاج شكسبير وبين هذا العصر، لا يمكن أن يقرأ شعر شكسبير ولا بريطاني إلا أن يقرؤه مترجماً، من اللغة الإنكليزية إلى اللغة الإنكليزية، أي هذه اللغة في تبدل، أما أن يقرأ طالبنا في الصف العاشر شعراً قاله شاعر قبل ألف وخمسمئة عام كأن يقرأ عن امرئ القيس، ماذا قال؟

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ   بصبح وما الإصباح منك بأمثل
* * *

 هذه أبيات من قصائد مشهورة من المعلقات قالها شعراء قبل ألف وخمسمئة عام، والفضل في ثبات هذه اللغة إلى القرآن الكريم، ومن اللغات اللاتينية فرنسي، إنكليزي، إيطالي، إسباني، هذه لغات لاتينية لها أم واحدة، لكن تبدل هذه اللغات جعلها بضع عشرة لغة، أما اللغة العربية لولا القرآن الكريم لكانت عشرين لغة، بفضل هذا القرآن الكريم الشعر الذي قيل قبل ألف وخمسمئة عام يقرؤه طلابنا في الصف العاشر بعد ألف وخمسمئة عام، وهذه ميزة تنفرد بها اللغة العربية.
 أيها الأخوة الكرام، أحد الأعراب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله عظني ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة الآيات :7-8 ]

 فقال هذا الأعرابي: كفيت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل.

كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً :

 وروى الإمام أحمد وأبو داود عَن الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ:

((وَفَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةٍ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ زُرْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ فَأَمَرَ بِنَا أَوْ أَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ فَأَقَمْنَا بِهَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا))

[ أحمد وأبو داود عَن الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ]

 فكان النبي عليه الصلاة والسلام أفصح العرب يحدثنا عن نفسه فيقول:

(( أنا أفصح العرب بَيْد أني من قريش ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

 وقريش أفصح قبيلة، علماء البلاغة قالوا: هذا أسلوب رائع في اللغة سماه علماء البلاغة تأكيد المدح بما يشبه الذم، تقول عن إنسان: والله فلان كريم لكن شجاع، لما قال لكن تتوقع أن يأتي الذم، هذا أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم.

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم  بهن فلول من قراع الكتائب
* * *

 سيدنا الصديق قال: “إيَّاك وكثرة الكلام، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً”.
 الكلام المختصر، لذلك يؤثر عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: “نضر الله وجه من أوجز في كلامه، واقتصر على حاجته”.
 وقالوا: البلاغة بين الإيجاز المخل والإطناب الممل.

من له حال مع الله تعالى يشعر براحة نفسية لأنه ضيف الله :

 النبي عليه الصلاة والسلام والحديث عن شمائله والحديث عن جمال منطقه: كان عليه الصلاة والسلام إذا وعظ أثَّر في قلوب السامعين، وطيَّب نفوسهم، حتى إنهم لتذرف دموعهم، وترق وتخشع قلوبهم، ويرتقي حالهم إلى المشاهدات والمعاينات، فعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ ـ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ:

((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا))

[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

 أي كل واحد من أخواننا الكرام هو في الجامع له حال مع الله عز وجل يشعر براحة نفسية، راحة نفسية واضحة جداً، السبب لأنك ضيف الله عز وجل:
 “إنّ بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوّارها هم عمّارها، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر” .
 تصدق أن تأتي من مكان بعيد، والطريق يحتاج إلى ساعتين، من مركبة إلى مركبة، وازدحام لا يحتمل، وأن تأتي وتجلس على الأرض لا يوجد ضيافة، ولا كأس شاي، ولا مقعد مريح، أليس كذلك؟ وأن تعود بلا شيء؟
 “إنّ بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوّارها هم عمّارها، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر “.

ذكر الله للإنسان وهو في الصلاة أكبر من ذكر الإنسان له :

 والله أيها الأخوة، معنى لا أرتوي من ترداده، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 العلماء قالوا: ذكر الله أكبر ما في الصلاة، والدليل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه الآية : 14]

 لكن ابن عباس يقول: “ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له”.
 كيف؟ قال: إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، وإن ذكرك منحك الأمن، الأمن أكبر نعمة، الأمن غير السلامة، السلامة ألا يقع مكروه لكن الأمن ألا يتوقع الإنسان مكروهاً،، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآيات: 81-82]

للنفس إقبال وإدبار :

 أيها الأخوة الكرام:

((….نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا ـ دقق في أدب الصديق ـ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))

[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

 معنى ذلك أن لك حال في المسجد، لك حال مع رسول الله، لك حال في علاقتك بالله، فإذا عدت إلى البيت، مشكلات الحياة، والطعام، والشراب، والأولاد، والدراسة، قد يضعف هذا الحال، وهذا وضع طبيعي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن محمد بن كعب ]

 إياك ثم إياك ثم إياك أن تفهم أنها ساعة طاعة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ وساعة معصية، إن للنفس إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاحملوها على الفرائض، هناك إقبال و هناك إدبار، إن كان هناك إقبال فأكثر من النوافل، و إن كان هناك فتور فاكتفِ بالفرائض.

الشفافية الحقيقية تتجلى عند رسول الله :

 الآن يقولون: هناك شفافية، وهو مصطلح مستخدم كثيراً، الشفافية الحقيقية عند رسول الله، قال: أعرف حجراً بمكة كنت أسلم عليه ويسلم علي، أحياناً الإنسان حينما يرتقي ويرتقي يصبح شفافاً، يتعامل مع ما حوله تعاملاً رائعاً، المطر لها معنى عنده، رحمة الله، الكائن الحي قريب من المؤمن، أحياناً الإنسان يتقي أن يدوس على نملة، أحياناً وردة صغيرة يتقي أن يدوس عليها، تسبح الله دعها وشأنها، فكلما اقترب المؤمن من الله أصبح شفافاً، دخل النبي عليه الصلاة والسلام دخل مرة لبستان فرأى ناقة فقال:

((مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ ” فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ))

[أبو داود عن عبد الله بن جعفر ]

 وقد ورد:

((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ))

[الترمذي عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

على المؤمنين الاعتناء بلغتهم العربية لأنها لغة القرآن و لغة أهل الجنة :

 أيها الأخوة الكرام، أتمنى عليكم من أعماق قلبي أن تعتنوا بلغتكم العربية، لأنها لغة القرآن، ولغة أهل الجنة، لأنها لغة اصطفاها الله لكتابه، ولقرآنه، وليس صعباً أن تعتني بهذه اللغة، أنا أنصحكم أن تقرؤوا كتاباً مضبوطاً بالشكل، قراءة جهرية، أي اقرأ عشر صفحات يومياً، بعد حين تتملك ما يسمى بالسليقة، ترفع الفاعل سليقة، وتنصب المفعول سليقة، اقرأ بصوت مرتفع نصاً بليغاً مضبوطاً بالشكل، وأول نص بليغ في حياة المسلمين القرآن الكريم، كنا في الجامعة فنصحنا أستاذ كبير في اللغة أن نقرأ عشر صفحات من القرآن الكريم يومياً من أجل لغتنا، من أجل ضبط اللسان، من أجل ضبط حركات الحروف في الكلمات، فقراءة القرآن بصوت جهوري وبطريقة صحيحة تكسب الإنسان سليقة، بعد حين تعرب بالسليقة لا بالمعلومات.
 هناك تجربة جاؤوا إلى بدوي في تاريخ مئة وخمسين بعد الهجرة، فقالوا له: لماذا تقول جاء أخوك؟ قال: هكذا الصح، فقال السائل لهذا الأعرابي: ألا تقول رأيت أخاك، قال له: اختلف الوزن، هذا الأعرابي لا يعرف فاعلاً ولا مفعولاً ولا فعلاً ماضياً مبنياً على الفتح، عنده سليقة، كيف تقول: جاء أخوك؟ قال: هكذا، قال له: ألا تقول رأيت أخاك؟ كان أخوك صار أخاك، قال له: اختلف الوجه، هذه السليقة، إذا قرأت القرآن بصوت جهوري، عشر صفحات يومياً، هذه نصيحة تلقيناها في الجامعة، لا علاقة لها بالعبادة إطلاقاً، علاقتها هذه النصيحة بامتلاك السليقة، السليقة أن تقرأ نصاً مضبوطاً بالشكل حرفاً حرفاً، حتى تعرف حركات عين الفعل، نصر ينصُر أم ينصَر؟ ينصُر، أخَذَ يأخُذُ، سمع يسمع، عين المضارع كيف تعرفه؟ بالسليقة، فإذا قرأت القرآن بصوت جهوري عشر صفحات يومياً، أو خمس مع مضي الزمن تنمو عندك سليقة، تشعر أن الفاعل مرفوع، سليقة، و المفعول به منصوب.
 أيها الأخوة الكرام، هذا عن فصاحته صلى الله عليه وسلم، وهذا عن تجمله في الحديث، وكان أفصح العرب وقال عن نفسه:

(( أنا أفصح العرب بَيْد أني من قريش ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

 وقريش أفصح قبيلة، ويعد كلام النبي عليه الصلاة والسلام أفصح كلام بعد القرآن الكريم إطلاقاً.

الموضوع العلمي :

كيفية معرفة الله عز وجل :

 والآن ننتقل إلى موضوع علمي، أيها الأخوة، أصل الدين معرفة الله، السؤال الدقيق، كيف تعرف الله؟ الله عز وجل كما تعلمون لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولكن القلوب تصل إليه، ولا تحيط به، فرق كبير أن تركب مركبتك إلى الساحل، فهذه المركبة يمكن أن توصلك إلى الساحل، لكن هذه المركبة لا تستطيع أن تخوض بها البحر، توصلك إلى الساحل وتنتهي مهمتها، كذلك هذه العقول توصلك إلى الله، وتنتهي مهمتها، ولكن هذه العقول لا يمكن أن تحيط بالله:

﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 103 ]

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[ سورة البقرة: 255 ]

 فلذلك إذا كان أصل الدين معرفته، فكيف نعرفه؟ طبعاً هناك آيات كونية، هذه الآيات بين أيدينا، الشمس، لسان اللهب طوله مليون كيلو متر، كطرفة أحد الشيوخ معلوماته العلمية محدودة جداً، سمع أن كل العلماء يتكلمون عن الإعجاز العلمي، فقال لطلابه: يا بني صعد الإنسان إلى الشمس، عنده طالب نبيه، قال له: سيدي الشمس حرارتها تقدر بعشرين مليون درجة، ولسان اللهب طوله مليون كيلو متر، فشعر هذا الشيخ بالحرج فقال: صعدوا إليها في الليل.

التفكر في خلق السماوات والأرض طريق معرفة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، جزء من إيمانك أن تعرف الله من خلال آياته، الدليل:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية الآية :6]

 طريق معرفة الله التفكر في خلق السماوات والأرض:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 191-192]

النظرية العملاقة التي قلبت مفاهيم الفيزياء مدرجة في آية واحدة في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام، أينشتاين أكبر علماء الفيزياء، اكتشف السرعة المطلقة في الكون، هذه السرعة المطلقة إنها سرعة الضوء، كل جسم سار بسرعة الضوء أصبح ضوءاً، أي يكبر حتى يصبح ضوءاً، هناك تجربة دقيقة جداً جاؤوا بقطار و بنوا رصيفاً بطوله تماماً، بالسنتمتر، وسار هذا القطار بأعلى سرعة، حيث قدرت سرعته بثلاثمئة وخمسين كيلو متراً، وضعوا آلة تصوير في منتصف الرصيف، صورت القطار وهو يسرع، صورة القطار أطول من الرصيف، هو في الحقيقة طوله يطابق طول الرصيف تماماً، فكل جسم سار وأسرع فإذا وصل إلى سرعة الضوء أصبح ضوءاً، الآن إذا سبق الضوء تراجع الزمن، إذا قصر عن الضوء تراخى الزمن، ساعة بالفضاء الخارجي يقابلها في الأرض مئة عام، تراخى الزمن، جسم مشى مع الضوء أصبح ضوءاً، قصر عن الضوء تراخى الزمن، سبق الضوء تراجع الزمن، هذا ملخص نظرية أينشتاين، هل تصدقون أن هذه النظرية العملاقة التي بدلت مفاهيم الفيزياء في الأرض مدرجة في القرآن الكريم:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[ سورة الحج الآية : 47]

 والعرب تعد السنة القمرية، والقمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو وصلنا خطاً بين مركز الأرض ومركز القمر، هذا الخط هو نصف قطر الأرض، مع نصف قطر القمر، مع المسافة بين الأرض والقمر، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، لو ضربنا هذا الرقم باثنين، لكان القطر، لو ضربنا بالبي 3.14 لكان المحيط، لو ضربناه باثني عشر السنة، ضرب ألف، ألف سنة، نحسب كم هي المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، المفاجأة التي قد لا تصدق أننا إذا قسمنا هذه المسافة أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم، ثواني اليوم ستون بستين، بأربع وعشرين، لكانت المفاجأة الصاعقة أن الجواب هو سرعة الضوء الدقيقة، 652 299، أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد.
 هذه النظرية العملاقة التي قلبت مفاهيم الفيزياء مدرجة في آية واحدة،

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

والحمد لله رب العالمين