الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه


إنه عمَّار بن ياسر رضي الله عنه، كان هو وأبوه ياسر وأمه سمية بنت خياط من أوائل الذين دخلوا في الإسلام، وكان أبوه قد قدم من اليمن، واستقر بمكة، ولما علم المشركون بإسلام هذه الأسرة أخذوهم وعذبوهم عذابًا شديدًا، فمر عليهم الرسول  وقال لهم:صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، الطبراني والحاكم
وطعن أبو جهل السيدة سمية فماتت، لتكون أول شهيدة في الإسلام، ثم يلحق بها زوجها ياسر، وبقى عمار يعاني العذاب الشديد، فكانوا يضعون رأسه في الماء، ويضربونه بالسياط، ويحرقونه بالنار، فمرَّ عليه الرسول  ووضع يده الشريفة على رأسه وقال: يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت بردًا وسلامًا على إبراهيم ابن سعد
وذات يوم، لقى عمار النبي  وهو يبكي، فجعل  يمسح عن عينيه ويقول له أخذك الكفار فغطوك في النار [ابن سعد]، واستمر المشركون في تعذيب عمار، ولم يتركوه حتى ذكر آلهتهم واصنامهم بخير، وعندها تركوه، فذهب مسرعًا إلى النبي ، فقال له النبي  ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك (أي ذكرتك بسوء) وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي 
فكيف تجدك، قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد ابن سعد والحاكم ونزل فيه قول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان النحل: 106
وهاجر عمار إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشارك مع النبي  في جميع الغزوات، حتى إنه قال ذات يوم: قاتلت مع رسول الله  الجن والإنس فسأله الصحابة: وكيف؟ فقال: كنا مع النبي  فنزلنا منزلاً، فأخذت قربتي ودلوي لأستقي، فقال  أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه، فلما كنت على رأس البئر إذا برجل أسود، فقال: والله لا تستقي اليوم منها، فأخذني وأخذته (تشاجرنا) فصرعته ثم أخذت حجرًا، فكسرت وجهه وأنفه، ثم ملأت قربتي وأتيت رسول الله ، فقال: (هل أتاك على الماء أحد؟) قلت: نعم، فقصصت عليه القصة فقال: أتدرى من هو)، قلت: لا، قال: ذاك الشيطان)
[ابن سعد]
وذات يوم استأذن عمار -رضي الله عنه- الرسول  ليدخل فقال  من هذا قال: عمار، فقال  (مرحبًا بالطيب المطيب) الترمذي والحاكم
وذات يوم حدث بين عمار وخالد بن الوليد كلام، فأغلظ خالد لعمار، فشكاه إلى النبي  فقال  من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله [النسائي وأحمد]، فخرج خالد من عند الرسول  وما من شيء أحب إليه من رضا عمار، وكلمه حتى رضي عنه
وقال النبي  إن عمارًا مُلئ إيمانًا إلى مشاشه أي إلى آخر جزء فيه [النسائي والحاكم]. وأمر النبي  المسلمين أن يتبعوا عمارًا ويقتدوا به، فقال  اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد (عبد الله ابن مسعود) أحمد
وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد أمننا من أن يظلمنا، ولم يؤمنا من أن يفتنا، أرأيت إن أدركت الفتنة قال: عليك بكتاب الله، قال: أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله؟ قال: سمعت رسول الله  يقول: (إذا اختلف الناس كان ابن سمية (عمار) مع الحق) الحاكم
وبعد وفاة النبي  اشترك عمار مع الصديق أبي بكر رضي الله عنه في محاربة المرتدين، وأظهر شجاعة فائقة في معركة اليمامة حتى قال
ابن عمر رضي الله عنه في شجاعته: رأيت عمار بن ياسر رضي الله عنه يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون! أنا عمار بن ياسر، أمن الجنة تفرون أنا عمار بن ياسر، هلمَّ إليَّ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب (تتحرك) وهو يقاتل أشد القتال
وبعد أن تولى عمر بن الخطاب الخلافة، ولى عمارًا على الكوفة ومعه
عبد الله بن مسعود وبعث بكتاب إلى أهلها يقول لهم فيه: أما بعد، فأني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وابن مسعود معلمًا ووزيرًا، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما
وكان عمار متواضعًا زاهدًا سمحًا كريمًا فقد سبَّه رجل وعيَّره ذات مرة بأذنه التي قطعت في سبيل الله، وقال له: أيها الأجدع، فقال لها عمار: خير أذني سببت، فإنها أصيبت مع رسول الله  وكان يقول: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان: الإنفاق في الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم
وفي يوم صفين كان عمار في جيش علي، وقبل بداية المعركة شعر عمار بالعطش، فإذا بامرأة تأتيه وفي يدها إناء فيه لبن فشرب منه، وتذكر قول الرسول  له: (آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن) [أحمد]، ثم قال في جموع المقاتلين: الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه (أصحابه) ثم تقدم للقتال فاستشهد سنة(37هـ)، وكان عمره آنذاك (93) سنة، ودفنه الإمام عليُّ، وصلى عليه.

 

الصحابي أبو ذر الغفاري رضي الله عنه


إشراف الدكتور راغب السرجاني

اسم أبي ذر ولقبه : هو أبو ذَرّ، ويقال أبو الذَرّ جندب بن جنادة الغفاري. وقد اختلف في اسمه, فقيل: جندب بن عبد الله، وقيل: جندب بن السكن، والمشهور جندب بن جنادة. وأم أبي ذَرّ هي رملة بنت الوقيعة الغفارية، وقد أسلمت رضي الله عنها. كان  آدم طويلاً أبيض الرأس واللحية، أسمر اللون نحيفًا، قال أبو قلابة عن رجل من بني عامر: “دخلت مسجد مِنى فإذا شيخ معروق آدم (أي أسمر اللون)، عليه حُلَّة قِطْريٌّ، فعرفت أنه أبو ذَرّ بالنعت”. حال أبي ذر الغفاري في الجاهلية : ولد أبو ذر في قبيلة غفار بين مكة والمدينة، وقد اشتهرت هذه القبيلة بالسطو، وقطع الطريق على المسافرين والتجار وأخذ أموالهم بالقوة، وكان أبو ذَرّ  رجلاً يصيب الطريق، وكان شجاعًا يقطع الطريق وحده، ويُغير على الناس في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما يأخذ. ومع هذا كان أبو ذَرّ ممن تألّه [1]: “أخذ أبو بكر بيدي فقال: يا أبا ذر. فقلت: لبيك يا أبا بكر. فقال: هل كنت تأله في جاهليتك؟ قلت: نعم، لقد رأيتني أقوم عند الشمس (أي عند شروقها)، فلا أزال مصليًا حتى يؤذيني حرّها، فأخرّ كأني خفاء. فقال لي: فأين كنت توجَّه؟ قلت: لا أدري إلا حيث وجهني الله، حتى أدخل الله عليَّ الإسلام”. في الجاهلية، وكان يقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام. النور يسري إلى قلب أبي ذَر وقبيلته : عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال أبو ذر : كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلِّمه وَأْتني بخبره. فانطلق فلقيه، ثم رجع فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير، وينهى عن الشر. فقلت له: لم تشفني من الخبر. فأخذت جرابًا وعصًا، ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. قال: فمر بي عليٌّ ، فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء. قال: فمر بي عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال: انطلق معي. قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له: إن كتمت عليَّ أخبرتك. قال: فإني أفعل. قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال له: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامضِ أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي، فقلت له: اعرض عليَّ الإسلام. فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: “يا أبا ذَرّ، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل”. فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخَنَّ بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فقاموا فضُربت لأموت، فأدركني العباس فأكب عليَّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم! تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار. فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ. فصُنع بي مثل ما صنع بالأمس، وأدركني العباس فأكبّ عليَّ، وقال مثل مقالته بالأمس. وكان أبو ذرّ من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة فكان خامسًا، وبعد أن أسلم آخى النبي بينه وبين المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المُعْنِق ليموت. أثر الرسول في تربية أبي ذر الغفاري : كان للنبي أثرٌ كبير وواضحٌ في حياة أبي ذر ؛ وذلك لقدم إسلامه، وطول المدة التي قضاها مع النبي؛ فعن حاطب قال: قال أبو ذر: “ما ترك رسول الله شيئًا مما صبّه جبريل وميكائيل -عليهما السلام- في صدره إلا قد صبه في صدري”. وعن أبي هريرة قال: قال أبو ذَرّ : يا رسول الله، ذهب أصحاب الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها. فقال رسول الله: “يا أبا ذَرّ، ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك، ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك؟” قال: بلى يا رسول الله. قال: “تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتسبحه ثلاثًا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”. أهم ملامح شخصية أبي ذر الغفاري : الزهد الشديد والتواضع : قيل لأبي ذرٍّ : ألا تتخذ أرضًا كما اتخذ طلحة والزبير؟ فقال: “وما أصنع بأن أكون أميرًا، وإنما يكفيني كل يوم شربة من ماء أو نبيذ أو لبن، وفي الجمعة قَفِيزٌ من قمح”. وعن أبي ذر قال: “كان قوتي على عهد رسول الله صاعًا من التمر، فلست بزائدٍ عليه حتى ألقى الله تعالى”. صدق اللهجة : قال أبو ذَرّ : قال لي رسول الله: “ما تقلّ الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذَرّ، شبيه عيسى ابن مريم”. قال: فقام عمر بن الخطاب  فقال: يا نبي الله، أفنعرف ذلك له؟ قال: “نعم، فاعرفوا له”. حرص أبي ذر الغفاري على الجهاد رغم الصعوبات : عن عبد الله بن مسعود  قال: لما سار رسول الله إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: “دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه”. حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره. فقال رسول الله: “دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه”. فتلوَّم أبو ذَرّ على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره فخرج يتبع رسول الله ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله: “كن أبا ذَرّ”. فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو -والله- أبو ذَرّ. فقال رسول الله: “رحم الله أبا ذَرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده”. بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع الرسول : وفي صحيح مسلم عن أبي ذَر  قال: سألت رسول الله: هل رأيت ربك؟ قال: “نور أنَّى أراه”. قال النووي: أي حجابه نور، فكيف أراه؟! وعن أبي ذَرّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: “يا أبا ذَرّ، إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها”. بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع الصحابة : مع معاوية : عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذَرّ t فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه} [التوبة: 34]، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أنِ اقْدِم المدينة. فقدمتها فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّرُوا عليَّ حبشيًّا لسمعت وأطعت. مع أبي بن كعب : عن أبي ذَرّ أنه قال: دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي يخطب، فجلست قريبًا من أبي بن كعب ، فقرأ النبي سورة براءة، فقلت لأبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهمني ولم يكلمني. ثم مكثت ساعة، ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، ثم مكثت ساعة ثم سألته فتجهمني ولم يكلمني، فلما صلى النبي قلت لأبيّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني. قال أبيّ: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت. فذهبت إلى النبي فقلت: يا نبي الله، كنت بجنب أبيٍّ وأنت تقرأ براءة، فسألته متى نزلت هذه السورة فتجهمني ولم يكلمني، ثم قال: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت. قال النبي: “صدق أُبَيّ”. بعض المواقف من حياة أبي ذر الغفاري مع التابعين : مع عبد الله بن الصامت : عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرّ قال: قال رسول الله: “إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود”. قلت: يا أبا ذَرّ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله كما سألتني، فقال: “الكلب الأسود شيطان”. مع صدقة بن أبي عمران : عن صدقة بن أبي عمران بن حطان قال: أتيت أبا ذَرّ فوجدته في المسجد مختبئًا بكساء أسود وحده، فقلت: يا أبا ذَرّ، ما هذه الوحدة؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: “الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر”. بعض الأحاديث التي رواها أبو ذر الغفاري عن الرسول : روى البخاري بسنده عن أبي ذر  قال: سألت النبي، أي العمل أفضل؟ قال: “إيمان بالله وجهاد في سبيله”. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: “أعلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها”. قلت: فإن لم أفعل. قال: “تعين ضَايِعًا أو تصنع لأخرق”. قلت: فإن لم أفعل. قال: “تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تصدق بها على نفسك”. وعن أبي ذر، عن النبي قال: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم”. قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرارًا، قال أبو ذر : خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: “المُسْبِل، والمنَّان، والمُنْفِق سلعته بالحلف الكاذب”. أثر أبي ذر الغفاري في الآخرين : منذ أسلم  أصبح من الدعاة إلى الله ، فدعا أباه وأمه وأهله وقبيلته، ولما أسلم أبو ذر  قال: انطلق النبي وأبو بكر وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت، فقال رسول الله: “إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل -ولا أحسبها إلا يثرب- فهل أنت مبلغ عني قومك؛ لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم”. قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسًا، قال: فقال لي: ما صنعت؟ قال: قلت: إني أسلمت وصدقت. قال: فما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. ثم أتينا أُمَّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت. فتحملنا حتى أتينا قومنا غفارًا. قال: فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله المدينة، وكان يؤمِّهم خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، وكان سيِّدهم يومئذ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله أسلمنا. قال: فقدم رسول الله فأسلم بقيتهم. قال: وجاءت “أسلم” فقالوا: يا رسول الله، إخواننا، نُسلم على الذي أسلموا عليه. فقال رسول الله: “غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله”. مواقف خالدة في حياة أبي ذر : ينتقل الزاهد الورع خليفة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب  إلى جوار ربه ورسوله، تاركًا خلفه فراغًا هائلاً، ويبايع المسلمون عثمان بن عفان  وتستمر الفتوحات وتتدفق الأموال من البلاد المفتوحة، فارس والروم ومصر، وظهرت بين العرب طبقات غنية كنزت الأموال، وبنت القصور، وعاشت عيشة الأمراء، كما ظهرت بجانبهم طبقات فقيرة لا تجد ما تقتات به. خرج أبو ذر t إلى معاقل السلطة والثروة يغزوها بمعارضته معقلاً معقلاً، وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفَّتْ حولها الجماهير والكادحون، وكان إذا نزل بأرض ردد قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]. ولقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة هناك بالشام حيث معاوية بن أبي سفيان  يحكم أرضًا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة وخيرًا وفيئًا، ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف قدره، فلا يقربه بسوء، ويكتب من فوره للخليفة عثمان بن عفان ، ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه إلى المدينة، ويجري بينهما حوار طويل ينتهي بأن يقول له أبو ذر: “لا حاجة لي في دنياكم”. وطلب أبو ذر من عثمان  أن يسمح له بالخروج إلى “الرَّبَذَة”، فأذن له. موقف أبي ذر الغفاري من الثورات : أتى أبا ذر وفدٌ من الكوفة وهو في الرَّبَذَة، يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد عثمان بن عفان ، فزجرهم بكلمات حاسمة قائلاً: “والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أو جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي، ولو سيَّرني ما بين الأفق إلى الأفق، لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لي”. وهكذا أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر؛ فتحاشاها. بعض كلمات أبي ذر الغفاري : من أقواله : “حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يومًا شديد الحر لطول يوم النشور، وصلوا ركعتين في سوداء الليل لوحشة القبور”. وفاة أبي ذر الغفاري : تُوفِّي أبو ذر الغفاري  بالرَّبَذَة سنة 32هـ/ 652م.

الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه


حذيفة بن اليمان العبسي الغطفاني القيسي، صحابي جليل ولد في مكة وعاش في المدينة المنورة ومات سنة 36 هجرية في المدائن

نسبه رضي الله عنه:عدل

  • أبوه : الصحابي الجليل اليمان حسل أو حسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. كان قد قتل رجلا فهرب إلى يثرب وحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان، لحلفه اليمانية وهم الأنصار، ثم تزوج امرأة منهم وهي الرباب بنت كعب الأشهلية، فأنجبت: حذيفة وسعد وصفوان ومدلج وليلى. وقد أسلمت الرباب وبايعت الرسول. ولليمان ابنتان أخريان هما: فاطمة وأم سلمة.

سيرته رضي الله عنه

واجه والده اليمان مشكلة الطلب بثأر عليه أجبره على الهرب وترك مكة واللجوء للعيش مع عائلته في يثرب, وعندما أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم دعوته للإسلام في مكة جاءه اليمان مع بقية من أهل يثرب من الأوس والخزرج وبايعوه ولم يكن حذيفة معهم ولكنه أسلم قبل مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم . عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله حذيفة هل هو يحسب من المهاجرين أم من الأنصار, فقال له رسول الإسلام: أنت يا حذيفة من المهاجرين والأنصار.

حذيفة بن اليمان هذا كان يعرف كذلك ويكنى بحافظ سر الرسول, حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أسر له بأسماء كافة المنافقين المحيطين بهم ولم يفش بهذا السر لأي كان وهذا هو شأن كل حافظ السر. وكان خليفة المسلمين عمر بن الخطاب عندما يريد أن يصلي على أحد أموات المسلمين يسأل عن حذيفة وهل هو من ضمن الحاضرين للصلاة وذلك خوفا منه بالصلاة على أحد المنافقين وكان عمر يسأل حذيفة : أفي عمالي منافق؟ قال: نعم قال: من؟ قال : لا أخبرك فحصل ذات يوم جدال بين عمر وأحد العمال فطرده وبعد مرور الأيام عرف أنه هو المنافق.

يوم أحد

لقد كان حذيفة في إيمانه وولائه قوياً، فها هو يرى والده يقتل خطأ يوم أحد بأيدي مسلمة، فقد رأى السيوف تنوشه فصاح بضاربيه:أبي، أبي، إنه أبي ولكن أمر الله قد نفذ، وحين علم المسلمون تولاهم الحزن والوجوم، لكنه نظر إليهم إشفاقاً وقال: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين. ثم انطلق بسيفه يؤدي واجبه في المعركة الدائرة وبعد انتهاء المعركة علم الرسول بذلك، فأمر بالدية عن والد حذيفة حسيل بن جابر لكن حذيفة تصدق بها على المسلمين، فازداد الرسول له حباً وتقديراً.

قصته بغزوة الخندق

قال حذيفة: صلى بنا الرسول ثم التفت إلينا فقال: ” من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم؟، ثم يرجع، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة ” فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني، فلم يكن لي بد من القيام، فقال: “يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا 
فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء.
فقال أبو سفيان: لينظر امرؤ من جليسه، فأخذت بيد الرجل الذي كان جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.

غزواته

شارك حذيفة بكل المعارك والغزوات التي قادها النبي محمد عدا معركة بدر, حيث كان قد سافر خارج المدينة آنذاك فوقع أسيرا في يد كفار قريش, وعند استجوابه أعلمه بأنه في طريقه إلى المدينة ولا علاقة له بمحمد وجماعته وعاهدهم بعدم مقاتلتهم, وحصل أن تركه الكفار فشد الرحيل مسرعا إلى رسول الإسلام له مخبرا إياه عن ما حصل وبأن الكفار يتأهبون للغزو, ولم يسمح له رسول الله بالمشاركة في المعركة إيفاء بعهده, لذا لم يشارك المسلمين تلك المعركة.

شهد حذيفة أحدا وما بعدها من المشاهد مع الرسول. وشهد فتح العراق والشام، وشهد اليرموك 13 هـ، وبلاد الجزيرة 17هـ ونصيبين.
وشهد فتوحات فارس. وفي معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفاً، اختار أمير المؤمنين عمر لقيادة الجيوش المسلمة (النعمان بن مقرن) ثم كتب إلى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة، وأرسل عمر للمقاتلين كتابه يقول: (اذا اجتمع المسلمون، فليكن كل أمير على جيشه، وليكن أمير الجيوش جميعا (النعمان بن مقرن)، فاذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشهد فجرير بن عبد الله) وهكذا استمر يختار قواد المعركة حتى سمى منهم سبعة.. والتقى الجيشان ونشب قتال قوي، وسقط القائد النعمان شهيداً، وقبل أن تسقط الراية كان القائد الجديد حذيفة يرفعها عالياً وأوصى بألا يذاع نبأ استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة، ودعا (نعيم بن مقرن) فجعله مكان أخيه (النعمان) تكريماً له، ثم هجم على الفرس صائحاً: (الله أكبر: صدق وعده، الله أكبر: نصر جنده) ثم نادى المسلمين قائلاً: (يا أتباع محمد، ها هي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم، فلا تطيلوا عليها الانتظار) وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس. وكان فتح همدان والري والدينور على يده وشهد فتح الجزيرة. أخرج البخاري: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن جابر حدثني بسر بن عبيدالله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟! قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟! قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك هذا حديث في غاية الصحة، مسلسل بالثقات، الأثبات، المصرحين بالتحديث، وهو أقوى أحاديث الباب إسناداً، وأنظفها متناً، بل من أصح الأحاديث في الدنيا، وقد أخرجه كذلك مسلم بحروفه ونفس إسناده، وأخرجه البخاري عن شيخه يحيى بن موسى، حدثنا الوليد قال  كما أخرجه آبو عوانة، والطبراني في مسند الشاميين، والداني في الفتن، وصدر الحديث قريب في اللفظ والمعنى من صدر الحديث المنقطع الذي أخرجه مسلم، ولكن عجز الحديث مناقض لعجز حديث مسلم المنقطع

  • وقد أخرج ابن ماجه، كذلك، عجز الحديث، موضع الخلاف، بإسناد صحيح، مسلسل بالثقات المصرحين بالتحديث: حدثنا علي بن محمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: يكون دعاة على أبواب جهنم،، فساقه إلى آخره، وهو قطعة من حديث البخاري.

  • كما أخرج ابن ماجه بعض عجزه، مختصراً: حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي حدثنا سعيد بن عامر حدثنا أبو عامر الخزاز عن حميد بن هلال عن عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله : تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحداً منهم، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو تساهل شديد لأن عبد الرحمن بن قرط، مستور الحال، وفيه جهالة، وأبو عامر صالح بن رستم الخزاز صدوق كثير الغلط، أخرج له البخاري ومسلم متابعة. وقد خالفه أبو سعيد سليمان بن المغيرة القيسي، وهو ثقة ثبت، فقال: عن حميد بن هلال عن نصر بن عاصم، وسيأتي. ولكن المتن مستقيم، ولعله، إن لم يكن غلطاً، رواية بالمعنى لبعض من الأحاديث الصحاح التالية!

  • وأخرج أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت صخراً يحدث عن سبيع قال: أرسلوني من ماء إلى الكوفة أشتري الدواب فأتينا الكناسة، فإذا رجل عليه جمع، قال: فأما صاحبي فانطلق إلى الدواب، وأما أنا فأتيته، فإذا هو حذيفة، فسمعته يقول: كان أصحاب رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يسألونه عن الخير، وأسأله عن الشر، فقلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير شر، كما كان قبله شر، قال: نعم، قلت: (فما العصمة منه، قال: السيف، أحسب (الشك هنا من شعبة) أبو التياح يقول: السيف، أحسب، قال: قلت: (ثم ماذا)، قال: ثم تكون هدنة على دخن»، قال: قلت: (ثم ماذا)، قال: ثم تكون دعاة الضلالة، قال: فإن رأيت يومئذ خليفة لله في الأرض فالزمه وإن نهك جسمك، وأخذ مالك، فإن لم تره فاهرب في الأرض ولو أن تموت وأنت عاض بجذل شجرة». قال: قلت: (ثم ماذا)، قال: ثم يخرج الدجال»، قال: قلت: (فيم يجيء به معه)، قال: بنهر (أو قال ماء) ونار، فمن دخل نهره حُطّ أجره، ووجب وزره ومن دخل ناره وجب أجره، وحُّط وزره، قال: قلت: (ثم ماذا)، قال: لو أنتجت فرسا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة. قال شعبة: وحدثني أبو بشر في إسناد له عن حذيفة عن النبي قال: قلت: (يا رسول الله ما هدنة على دخن)، قال: قلوب لا تعود على ما كانت

  • وقال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثني أبو التياح، حدثني صخر بن بدر العجلي، عن سبيع بن خالد الضبعي، فذكر مثل معناه وقال: وحط أجره، وحط وزره، قال: وإن نهك ظهرك، وأخذ مالك. وقال الإمام أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث حدثنا أبو التياح عن صخر بن بدر العجلي عن سبيع بن خالد بهذا الحديث عن حذيفة عن النبي قال فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت فإن تمت وأنت عاض وقال في آخره قال قلت فما يكون بعد ذلك قال لو أن رجلا نتج فرسا لم تنتج حتى تقوم الساعة

اختياره الكوفة

أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغاً، فكتب عمر لسعد بن أبي وقاص كي يغادرها فوراً بعد أن يجد مكاناً ملائماً للمسلمين، فوكل أمر اختيار المكان لحذيفة بن اليمان ومعه سلمان بن زياد، فلما بلغا أرض الكوفة وكانت حصباء جرداء مرملة، قال حذيفة لصاحبه: (هنا المنزل ان شاء الله) وهكذا خططت الكوفة وتحولت إلى مدينة عامرة، وشفي سقيم المسلمين وقوي ضعيفهم

توليه على المدائن

خرج أهل المدائن لاستقبال الوالي الذي اختاره عمرلهم، فأبصروا أمامهم رجلاً يركب حماره على ظهره اكاف قديم، وأمسك بيديه رغيفاً وملحاً, وهو يأكل ويمضغ، وكاد يطير صوابهم عندما علموا أنه الوالي حذيفة بن اليمان المنتظر، ففي بلاد فارس لم يعهدوا الولاة كذلك، وحين رآهم حذيفة يحدقون به قال لهم: (إياكم ومواقف الفتن). قالوا: (وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله ) قال: (أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي، فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه) فكانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، ومنهجه في الولاية

وفاته رضي الله عنه:

لمّا نزل بحذيفة الموت جزع جزعاً شديداً وبكى بكاءً كثيراً، فقيل: (ما يبكيك ) فقال: (ما أبكي أسفاً على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكنّي لا أدري على ما أقدم على رضىً أم على سخطٍ). ودخل عليه بعض أصحابه، فسألهم: (أجئتم معكم بأكفان) قالوا: (نعم) قال: (أرونيها) فوجدها جديدة فارهة، فابتسم وقال لهم: (ما هذا لي بكفن، انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فاني لن أترك في القبر إلا قليلاً، حتى أبدل خيراً منهما، أو شراً منهما) ثم تمتم بكلمات: (مرحباً بالموت، حبيب جاء على شوق، لا أفلح من ندم) وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن، وذلك بعد مَقْتلِ عثمان بن عفان بأربعين ليلة

في سنة 1933 م ونتيجة وصول مياه نهر دجلة إلى القبر، رأى الملك غازي ومفتي الديار العراقية ومهندس الأوقاف بضرورة النقل، وقد حضر الملك غازي مراسم فتح القبر والتشييع والدفن، ونقل الجثمان بجوار سلمان الفارسي ضمن موكب عسكري وجماهيري.

فضله

  • قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَسَلْمَانُ،وَعَمَّارٌ، وبلال

المصادر]

  1. سير أعلام النبلاء (2/362)، وتهذيب الأسماء واللغات (1/154)، والإصابة (1/316)
  2.  نساء من عصر النبوة، أحمد خليل جمعة، (2/209-216)
  3.  صفوة الصفوة (1/610). تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي ص:493)
  4.  مجلة الكوثر العراقية ، العدد 25 ص 11
  5.  مسند الإمام أحمد بن حنبل رقم الحديث: 1219 (حديث مرفوع) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا فِطْرٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ نَافِعٍ النَّوَّاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُلَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ نُجَبَاءَ وُزَرَاءَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حَمْزَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَعَلِيٌّ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَسَلْمَانُ، وَعَمَّارٌ، وَبِلَالٌ “.

أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام


%d8%a7%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87-%d9%88%d8%b3%d9%84%d9%85

احتوى هذا الكتاب على سبعة من القصص الدينية الكبيرة عن الصحابة حيث استطاع المؤلف محمد خالد ثابت أن يضمن قصص الصحابة وفضائلهم وبطولاتهم وسيرهم العطرة ومواقفهم مع الرسول عليه الصلاة والسلام حيث اختار منهج كتابه أن يكون قصصي ومن أمثال الصحابة هم أبو ذر الغفاري وحمزة بن عبدالمطلب وسلمان الفارسي وزيد بن الخطاب وغيرهم من الصحابة .